القاسم بن إبراهيم الرسي
129
مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي
نهما عرفا به ولم يعرف بهما . وقال أيضا : والعقل آمن أمين ، وأفضل قرين ، فاستأمنه على أحوالك ، وجميع خلالك ، واعرف ما عرفك . . . وقال ناعيا على الذين لا يفكرون ، ولا يؤمنون إلا ما لمسوه أو رأوه بأعينهم ، مشبها لهم بالبهائم : وإنما يدرك ما غاب من الأمور بالفكر واليقين ، ويدرك ما حضر منها بالحواس من العين أو غير العين ، وذلك فإنما هو درك البهائم الخرس ، التي لا تدرك شيئا إلا بحاسة من الحواس الخمس ، ولا توقن أبدا بغائب غاب عنها ، ولا تدرك إلا ما كان شاهدا قريبا منها ، فأما أهل الألباب والعقول ، فيستدلون موقنين على الجاعل بالمجعول ، وعلى الغائب المتواري الخفي ، بالحاضر الظاهر الجلي . وقال أيضا : فأخبر سبحانه أن بيانه إنما هو للذين يعقلون ، ويوقنون من الغيب بما لا يرون ولا يبصرون ، فأما أشباه البهائم الذين لا يعلمون ، إلا ما يرون ويبصرون ، فإن اللّه سبحانه انتفى من البيان لهم ، وتبرأ من ذلك إليهم . التفكير شرط لفهم الدين قال مؤكدا على أهمية التفكير في الإسلام : وقد زعم بعض أهل الحيرة والنقص ، ومن لا يعرف عين النجاة والتخلص ، أن الإلطاف في النظر ، يدعو صاحبه إلى الخيلاء والبطر ، وإنما يكون ذلك كذلك عند من يريده للترؤس ، لا لما فيه وما جعله اللّه عليه من حياة الأنفس ، فانفوا مثل هذا عن ضمائركم ، وسدوا ثلمة عيبه في سرائركم . واعلموا أن البحر لا يجاز يقينا بتّا إلا بمعبر ، وأنه يحتاج الشجاع المحارب السلاح في الحرب فكيف بالعيّ المغتر ، فلا يتعاط أحد سبيل التقوى ، وما قرن اللّه بها من التمحيص والبلوى ، إلا وقد تحصّن بالعلم والبصر والنظر ، الذي ميز اللّه به بين أهل الخير والشر ، فلا تدعوا رحمكم اللّه حسن النظر في الأمور ، والاستضاءة في ظلمها بما جعل اللّه في العلم من النور .